مع تغير الفصول، خاصةً مع قدوم الأيام القصيرة والباردة في الخريف والشتاء، يلاحظ الكثيرون تغيرًا في مزاجهم قد يتجاوز مجرد الشعور بالضيق العابر. فما بين الخمول المتزايد، الرغبة المُلحة في النوم، زيادة الشهية لتناول الكربوهيدرات، والشعور العام بالحزن أو فقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، تتكشف أعراض ما يُعرف بـ الإكتئاب الموسمي (Seasonal Affective Disorder – SAD)، إنه اضطراب مزاجي حقيقي، يتكرر سنويًا في نفس التوقيت، ويُلقي بظلاله على حياة الملايين حول العالم، جاعلاً من الفصول الباردة فترة تحدٍ حقيقي للصحة النفسية، فلماذا يتأثر مزاجنا بهذا الشكل العميق بتغيرات الطقس والضوء؟ وما هي آليات هذا الاكتئاب الذي يُعيد نفسه كل عام؟ في هذا المقال، سنتعرف على فهم طبيعة الإكتئاب الموسمي، أسبابه، وأعراضه، وما هو علاج الاكتئاب الموسمي؟ وكيف يمكننا التغلب على “كآبة الشتاء” لنستعيد إشراقتنا الداخلية.
ما هو الاكتئاب الموسمي
ما هو الاكتئاب الموسمي (Seasonal Affective Disorder – SAD)، والذي يُعرف أحيانًا بـ “اكتئاب الشتاء”، هو نوع من أنواع الاكتئاب الذي يرتبط بشكل وثيق بالتغيرات الموسمية، حيث تبدأ الأعراض وتختفي في نفس التوقيت تقريبًا من كل عام.
الخصائص الرئيسية للاكتئاب الموسمي:
- الارتباط الزمني:
- الأكثر شيوعًا: تبدأ الأعراض عادةً في فصل الخريف أو الشتاء وتتحسن تدريجيًا مع قدوم فصل الربيع أو الصيف، هذا هو النوع الأكثر انتشارًا من الاكتئاب الموسمي.
- أقل شيوعًا: في بعض الحالات النادرة، قد يصاب بعض الأشخاص بالاكتئاب الموسمي في فصل الربيع أو الصيف وتتحسن حالتهم مع حلول الخريف.
- التكرار السنوي: ما يميز الاكتئاب الموسمي عن أنواع الاكتئاب الأخرى هو تكراره في نفس الموسم من كل عام لمدة سنتين متتاليتين على الأقل، مع فترات من التحسن أو عدم وجود أعراض اكتئاب خلال الفصول الأخرى.
- تأثيره على الحياة اليومية: يمكن أن تتراوح شدة الأعراض من خفيفة إلى شديدة، وقد تؤثر بشكل كبير على مزاج الشخص، مستويات طاقته، وعلاقاته، وقدرته على أداء الأنشطة اليومية.
اسباب الاكتئاب الموسمي
الاكتئاب الموسمي (SAD) ليس مجرد “كآبة شتوية” عابرة، بل هو اضطراب مزاجي حقيقي تتكرر أعراضه في مواسم معينة من العام، على الرغم من أن السبب الدقيق له ليس مفهومًا بالكامل، إلا أن هناك عدة عوامل يُعتقد أنها تساهم في حدوثه، وبعد إن تعرفنا على ما هو الاكتئاب الموسمي، إليكِ اسباب الاكتئاب الموسمي في فصل الشتاء:
-
نقص ضوء الشمس:
يُعتبر هذا هو العامل الأكثر شيوعًا وتأثيرًا، خاصة في الأنواع الشتوية من الاكتئاب الموسمي، مع قدوم الخريف والشتاء، تقل ساعات النهار ويصبح ضوء الشمس أضعف، هذا النقص في التعرض للضوء يمكن أن يؤثر على:
- الساعة البيولوجية للجسم (الإيقاع اليومي): ضوء الشمس يساعد في تنظيم ساعة الجسم الداخلية التي تتحكم في دورات النوم والاستيقاظ، والمزاج، ومستويات الطاقة، قلة الضوء قد تخل بهذا الإيقاع، ما يؤدي إلى الشعور بالخمول، وصعوبة الاستيقاظ، واضطرابات النوم.
- مستويات السيروتونين: السيروتونين هو ناقل عصبي في الدماغ يؤثر على المزاج، الشهية، والنوم، يُعتقد أن قلة التعرض لضوء الشمس يمكن أن تؤدي إلى انخفاض مستويات السيروتونين في الدماغ، ما يسبب الشعور بالاكتئاب.
- مستويات الميلاتونين: الميلاتونين هو هرمون ينتجه الجسم في الظلام ويسبب الشعور بالنعاس، في الأيام القصيرة والقاتمة، قد ينتج الجسم كميات زائدة من الميلاتونين خلال ساعات النهار، ما يؤدي إلى فرط النوم، الخمول، والتعب المستمر.
-
نقص فيتامين D:
يُنتج الجسم فيتامين D عند التعرض لأشعة الشمس، يلعب فيتامين D دورًا مهمًا في صحة العظام والمناعة، وقد يكون له أيضًا تأثير على نشاط السيروتونين في الدماغ، نقص فيتامين D، نتيجة لقلة التعرض للشمس في الشتاء وعدم كفاية مصادره من الغذاء، قد يساهم في ظهور أعراض الاكتئاب الموسمي.
-
الاستعداد الوراثي والتاريخ العائلي:
الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي من الاكتئاب، أو الاضطراب ثنائي القطب، أو الاكتئاب الموسمي نفسه، هم أكثر عرضة للإصابة به، هذا يشير إلى أن هناك مكونًا وراثيًا قد يزيد من قابلية الشخص للتأثر بالتغيرات الموسمية.
-
الموقع الجغرافي:
الأشخاص الذين يعيشون بعيدًا عن خط الاستواء، سواء في الشمال أو الجنوب، حيث تكون التغيرات في ساعات النهار وشدة ضوء الشمس أكثر وضوحًا بين الفصول، هم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب الموسمي، ففي هذه المناطق، يكون الشتاء مظلمًا وباردًا لفترات طويلة.
-
العوامل البيولوجية الأخرى:
- اختلال في مستويات هرمونات معينة: بالإضافة إلى السيروتونين والميلاتونين وفيتامين D، قد تكون هناك اختلالات في هرمونات أخرى تؤثر على المزاج والطاقة.
- التغيرات في مستويات السكر في الدم: بعض المصابين بالاكتئاب الموسمي يميلون إلى الإفراط في تناول الكربوهيدرات والسكريات، ما قد يؤدي إلى تقلبات في سكر الدم تزيد من حدة الأعراض الاكتئابية.
اقرئي أيضًا: استراتيجيات فعالة لتحسين الصحة النفسية
اعراض الاكتئاب الموسمي
لا يُعد الاكتئاب الموسمي (Seasonal Affective Disorder – SAD) مجرد شعور عابر بالحزن مع قدوم فصل الشتاء، بل هو اضطراب مزاجي حقيقي تتكرر أعراضه في مواسم معينة من العام، تتشابه أعراضه مع أعراض الاكتئاب التقليدي، لكن هناك بعض العلامات التي تكون أكثر شيوعًا أو شدة في النوع الشتوي، وهو الأكثر انتشارًا، اعراض الاكتئاب الموسمي (النوع الشتوي):
- المزاج العام:
- الشعور بالحزن والكآبة معظم اليوم، كل يوم تقريبًا: هذا هو العرض الأساسي، وهو شعور عميق بالضيق يستمر لفترات طويلة.
- فقدان الاهتمام والمتعة بالأنشطة والهوايات: حتى الأشياء التي كنت تستمتع بها سابقًا تفقد بريقها وجاذبيتها.
- الشعور باليأس، الذنب، أو انعدام القيمة: قد تترافق هذه المشاعر مع شعور عام بالدونية أو عدم الكفاءة.
- مستويات الطاقة والنوم:
-
- الخمول الشديد والتعب وقلة الطاقة: على الرغم من النوم لساعات طويلة، تشعر بتعب مستمر وصعوبة في النهوض من السرير.
- زيادة الرغبة الشديدة في النوم (فرط النوم): قد تجد نفسك تنام لساعات أطول من المعتاد، ومع ذلك لا تشعر بالراحة أو النشاط.
- الشعور بالثقل في الأطراف: قد تشعر بثقل في الذراعين والساقين، ما يزيد من صعوبة الحركة والقيام بالأنشطة اليومية.
- الشهية والوزن:
-
- تغيرات في الشهية، خاصةً الرغبة المُلحة في تناول الكربوهيدرات: قد تشتهي الأطعمة الغنية بالسكر والنشويات مثل الخبز، المعجنات، والحلويات.
- زيادة الوزن: غالبًا ما تكون نتيجة لزيادة الشهية لتلك الأطعمة وقلة النشاط البدني.
- الأداء المعرفي والسلوكي:
- صعوبة في التركيز أو اتخاذ القرارات: قد تشعر بـ “ضبابية الدماغ” وصعوبة في إنجاز المهام التي تتطلب تركيزًا.
- الانسحاب الاجتماعي والميل إلى العزلة: تفضل البقاء في المنزل وتجنب التجمعات الاجتماعية أو الأنشطة التي تتطلب تفاعلاً مع الآخرين.
- التهيج أو العصبية: قد تصبح أكثر عرضة للغضب أو الانفعال لأتفه الأسباب.
اعراض الاكتئاب الموسمي (النوع الصيفي – الأقل شيوعًا):
على الرغم من ندرته، يمكن أن يصاب البعض بالاكتئاب الموسمي في فصلي الربيع والصيف، قد تشمل أعراض هذا النوع ما يلي:
- الأرق ومشاكل النوم: على عكس النوع الشتوي، قد يجد المصابون بالنوع الصيفي صعوبة في النوم.
- فقدان الشهية ونقص الوزن: بدلاً من زيادة الشهية والوزن.
- زيادة القلق والهياج: شعور بالتوتر وعدم الراحة أكثر من الاكتئاب نفسه.
متى يجب استشارة الطبيب؟
إذا كنتِ تلاحظين هذه الأعراض في نفس التوقيت من كل عام، وتؤثر بشكل كبير على مزاجكِ، طاقتكِ، علاقاتكِ، أو قدرتكِ على أداء مهامكِ اليومية، فمن الضروري استشارة الطبيب أو أخصائي الصحة النفسية، فالاكتئاب الموسمي هو حالة طبية يمكن تشخيصها وعلاجها بفعالية، وغالبًا ما يتضمن العلاج العلاج بالضوء، الأدوية، أو العلاج النفسي.
اقرئي أيضًا: كل ما يخص الاكتئاب عند النساء
ما هو علاج الاكتئاب الموسمي
ما هو علاج الاكتئاب الموسمي؟ علاج الاكتئاب الموسمي (SAD) يهدف إلى تخفيف الأعراض وتحسين نوعية الحياة خلال الفصول التي يتأثر فيها المزاج، تتضمن خيارات العلاج الرئيسية عدة طرق، وغالبًا ما يتم استخدام مزيج منها للحصول على أفضل النتائج، من المهم دائمًا استشارة الطبيب أو أخصائي الصحة النفسية لتقييم الحالة وتحديد خطة العلاج الأنسب.
-
العلاج بالضوء (Light Therapy / Phototherapy):
يُعتبر العلاج بالضوء خط العلاج الأول للاكتئاب الموسمي، خاصةً النوع الشتوي. يعوض هذا العلاج نقص التعرض لضوء الشمس الطبيعي.
كيف يعمل؟ يجلس الشخص أمام صندوق ضوئي خاص (صندوق العلاج بالضوء) يصدر ضوءًا ساطعًا جدًا (عادة 10,000 لوكس) يشبه ضوء الشمس الطبيعي، ولكن بدون أشعة فوق بنفسجية ضارة، يُعتقد أن هذا الضوء يؤثر على كيمياء الدماغ المرتبطة بالمزاج (مثل السيروتونين) ويساعد على تنظيم الساعة البيولوجية.
- كيفية الاستخدام: يُنصح عادةً بالجلوس أمام الصندوق الضوئي لمدة 20-60 دقيقة يوميًا في الصباح الباكر، خاصة في غضون أول ساعتين بعد الاستيقاظ.
- الفعالية: يلاحظ العديد من الأشخاص تحسنًا في مزاجهم خلال أيام إلى أسابيع من بدء العلاج.
- ملاحظات: يجب استخدامه تحت إشراف طبي، وقد لا يكون مناسبًا لبعض الحالات (مثل المصابين ببعض أمراض العيون أو الذين يتناولون أدوية تزيد من حساسيتهم للضوء).
-
العلاج النفسي (Psychotherapy):
يُعد العلاج النفسي فعالًا جدًا في التعامل مع الاكتئاب الموسمي، خاصة العلاج السلوكي المعرفي (CBT).
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يساعد هذا النوع من العلاج الأفراد على تحديد وتغيير الأفكار والسلوكيات السلبية التي تساهم في الاكتئاب، يتعلم الشخص كيفية التعامل مع المواقف العصيبة، وتطوير آليات تأقلم صحية، وتغيير الأفكار غير المفيدة المرتبطة بالموسم.
- العلاج بين الأشخاص (Interpersonal Therapy): يركز على تحسين العلاقات الشخصية والتواصل، والتي قد تتأثر بالاكتئاب.
-
الأدوية المضادة للاكتئاب (Antidepressants):
في حالات الاكتئاب الموسمي الشديد أو عندما لا تستجيب الأعراض للعلاج بالضوء أو العلاج النفسي، قد يصف الطبيب أدوية مضادة للاكتئاب.
- أنواع شائعة: مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) مثل فلوكستين (Prozac) أو سيرترالين (Zoloft) هي الأكثر شيوعًا، وقد يُستخدم أيضًا البوبروبيون (Bupropion) الموسع المفعول، والذي تمت الموافقة عليه خصيصًا للوقاية من نوبات الاكتئاب الموسمي المتكررة.
- التوقيت: قد يوصي الطبيب ببدء تناول هذه الأدوية قبل أسابيع قليلة من بدء الموسم الذي تظهر فيه الأعراض عادةً، والاستمرار فيها حتى نهاية الموسم.
- ملاحظات: يجب أن يتم تناول هذه الأدوية تحت إشراف طبي صارم، وقد تستغرق بضعة أسابيع لبدء مفعولها الكامل، وقد تكون لها آثار جانبية.
-
تغييرات نمط الحياة والرعاية الذاتية:
تلعب هذه التغييرات دورًا داعمًا ومهمًا في إدارة الاكتئاب الموسمي.
- التعرض لضوء الشمس الطبيعي:
- اخرجي في الهواء الطلق قدر الإمكان، خاصة في الصباح الباكر، حتى في الأيام الغائمة.
- اجلسي بالقرب من النوافذ الساطعة في المنزل أو المكتب.
- افتحي الستائر ودعي الضوء الطبيعي يدخل إلى منزلكِ.
- ممارسة التمارين الرياضية بانتظام: النشاط البدني يساعد على تحسين المزاج وتقليل التوتر والقلق، ويزيد من مستويات الطاقة، حاولي ممارسة الرياضة في الهواء الطلق أثناء النهار إن أمكن.
- النظام الغذائي الصحي: تناولي نظامًا غذائيًا متوازنًا غنيًا بالفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات الخالية من الدهون، تجنبي الإفراط في السكريات والكربوهيدرات المكررة التي قد تؤدي إلى تقلبات المزاج.
- الحفاظ على جدول نوم منتظم: حاولي الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في نفس الوقت كل يوم، حتى في عطلات نهاية الأسبوع، لتنظيم ساعتكِ البيولوجية.
- الحد من التوتر: مارسي تقنيات الاسترخاء مثل اليوجا، التأمل، أو تمارين التنفس العميق.
- التواصل الاجتماعي: حاولي البقاء على اتصال مع الأصدقاء والعائلة، وعدم الانعزال، حيث يمكن للدعم الاجتماعي أن يحسن المزاج بشكل كبير.
- الحصول على ما يكفي من فيتامين D: تحدثي مع طبيبكِ حول فحص مستويات فيتامين D لديكِ وتناول المكملات الغذائية إذا كان هناك نقص، حيث يُعتقد أنه يلعب دورًا في المزاج.
وفي الختام، يتبين لنا أن الاكتئاب الموسمي ليس مجرد شعور عابر بالحزن، بل هو حالة صحية نفسية حقيقية تتأثر بشكل مباشر بتغير الفصول، خاصة مع قلة ضوء الشمس في الشتاء، إن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو التغلب عليه، من خلال فهم أسبابه وأعراضه، واعتماد استراتيجيات علاجية متنوعة مثل العلاج بالضوء، والدعم النفسي، وتغييرات نمط الحياة، يمكننا استعادة إشراقتنا الداخلية والتخفيف من وطأة “كآبة الشتاء”، صحتكِ النفسية لا تقل أهمية عن صحتكِ الجسدية، والاعتناء بها يستحق كل الجهد، لا تدعي الظلال الموسمية تسرق سعادتكِ، إذا كنتِ تشعرين بأن أعراض الإكتئاب الموسمي تؤثر على حياتكِ، فلا تترددي في طلب المساعدة المتخصصة، إذا كنتِ تبحثين عن مزيد من الدعم والمعلومات حول الصحة النفسية، أو نصائح للعناية بنفسكِ في جميع فصول السنة، ندعوكِ لزيارة موقع “طلة”، المنصة الشاملة المخصصة لدعم المرأة في كل جوانب حياتها، ستجدين مقالات موثوقة، نصائح عملية، وموارد قيمة حول الصحة النفسية، الجمال، التغذية، والمزيد، لمساعدتكِ على عيش حياة متوازنة وسعيدة، زوري موقع طلة الآن وامنحي نفسكِ الهدية التي تستحقينها من الدعم والمعرفة.
المصادر: